نذير حمدان
219
حكمة القرآن والحضارة
حكمة السخرية . . . . . . والقرآن إذا كان من أدب القرآن الزجر عن السخرية بقصد التعيير والتحقير فإنه ينبهنا وفق حكمته إلى أن مقابلة الساخرين وبخاصة يوم القيامة مشهد بارز فيها إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ ( هود 38 ) فإن جزاء كل سيئة بمثلها . والسخرية من الآخرين لا يقصد بها مجرد الإضحاك منهم لسبب خلقي وإنما هي لمواقف التعنت والهزء من الدعوة الإسلامية ودعاتها ، وإن التشفي من الهازئين المتسلطين بأسلوبهم ونمط تصرفهم حكمة القوة للضعيف ، وحكمة العزة للمستذل حتى لا يستمر الطاغوت في عنفوانه ولا يبقى المستضعف على هوانه وضعفه . في السخرية فن وفلسفة وأدب : فقد عرف عن ابن الرومي نظراته الساخرة التشاؤمية ومحاولة إضحاك الناس من صوره الطريفة التي تبرز قباحة بعض الأعضاء لإظهار الشذوذ فيها عن طريق تضخيمها والهزء منها على طريقة الرسم الهزلي ( الكاريكاتور ) ، فإن أجمل ما في الحديث المبتسم يصوّر بالقرد يقهقه أو العجوز تلطم . وإذا أشار محدثا فكأنّه * قرد يقهقه أو عجوز تلطم والأنف الطويل جدا يتجاوز البلدان والبقاع : لك أنف يا حبيبي * أنفت منه الأنوف أنت في الشام تصلّي * وهو في البيت يطوف والمعري أعمق نظرة وأغنى ثقافة من أبي حيان التوحيدي الذي اقتبس بعض صوره من أستاذه الجاحظ حيث نضح ما في نفسه من التبرم وقلّة ما في اليد ، وشقائه في حياته ، وعقده النفسية على الآخرين ، وقد ظهر ذلك جليا في كتابه : مثالب الوزيرين : ابن العميد وابن عباد ، فقد وصف التوحيدي ابن عباد على لسان ابن العميد بقوله : أحسب أن عينيه ركبتا من زئبق ، وعنقه عمل بلولب . . . ثم يقول مستشهدا بصورة قرآنية : كان الصاحب ينشد وهو يلوي رقبته وتجحظ حدقته ، وينزي ( يدلي ) أطراف فكيه ويتسايل ويتمايل كأنه الّذي